BACK       عودة


آلام محمد ومريم
(في ذكرى استشادهما في كروم الزيتون بتاريخ 6- 11- 1990 )

من سيكون بوسعه أن يعرف ماذا تراءى لمحمد علي الخطيب وزوجته مريم حسين في تلك الليلة التي سبقت مأساتهما المروعة ؟ من سيكون بوسعه أيضا أن يتكهن بما أسر كل منهما للآخر ، أثناء عبورهما الأخير على درب آلامهما اليومي ، المؤدي إلى كروم الزيتون في قرية لبان الشرقية ، جنوب نابلس؟ ربما همست له ضاحكة: يامحمد.. حلمت بأننا نطير .. وربما رد عليها ضاحكا:يامريم هل جننت ؟ لكن مريم لم تكن جنت، لأن وحياً قد مسها في ذلك الصباح ، ولم يلبث حلمها الرؤيوي أن أصبح حقيقة شهدتها بأم عينها وعرفها العالم بأسره ،فعذراً ايها العجوزان الطيبان الشهيدان إذ أجد نفسي ، مع كل اجلالي لذكراكما ، يدفعني احساس العزلة ذاته الذي رافق انقضاض شبح الموت عليكما،لأنبش بعض تفاصيل تلك الليلة وذلك الصباح، مستعينا تارة بالحقائق القليلة التي نعرفها عنكما ،وتارة أخرى، بما تحمله إلي مخيلتي من صور الوطن الذي لم أره قط، في محاولة لأغوص أكثر في جرح فاغر لم يعد يتحمل ، فلاننسى أبدا تلك اللحظات الصباحية الخاطفة ، المشبعة بالدم ..فمنذ أن سمعت بنبأ الماساة وصورتكما لاتفارقني ، بل ثمة هاجس يتملكني بأنني كنت هناك فعلا ، شاهدا على ماحدث منذ استيقاظكماالمبكر..الى ان تحققت رؤية مريم.. بعدها اندفعت الجموع الغاضبة الحزينة ... استيقظ محمد ومريم ساعة الفجر، أو ربما قبل الفجر، وربما لم يناما تلك الليلة ابداً، صلا الفجر سوية وكان محمد إمام الصلاة ، يقف قريبا من مريم تماما مثلما كان يقف خلال حياتهما كلها، يحميها ،يحرص عليها ، ويمضي معها في دروب حياة لم تشهد سوى الالام ، وربما كانت مريم تشعر بالفخر وهي تتهيأ للصلاة خلف زوجها محمد، وتشعر أن هذا الرجل المسن يصبح كل يوم أقوى عزيمة من قبل ، فتبتسم لنفسها ، وتصلح وضع غطاء رأسها الابيض ، الذي لن يلبث أن يغرق بالدم. تفاجئها ذاكرتها وصور الماضي ، وربما عبر شريط حياتها امامها في برهة خاطفة، قبل ان تسمعه يدعوها للصلاة بصوت بدا لها ذلك الصباح أكثر دفئا وعمقا، وأكثر إيمانا بالعناية الالهية، التي ربما خيل إليه في السنوات الاخيرة، أنها رفعت يدها عن أبناء شعبه، لكنه كان يعود كل مرة ،يستغفر ربه، ويحمده على كل شئ .

ولايلبث ان يغرق وزوجته في صلاة أخيرة ... يخيل إلي أن نسمة خريفية قد هبت عندئذ ، ودفعت درفتي نافذة الغرفة حيث كان محمد ومريم يصليان في خشوع ، فتدفقت عبرها افواج الملائكة من عل ، وطفت في الغرفة رائحة كروم الزيتون السحرية ، تدعو العجوزين إليها ... إذا كان الحب يقترن بالتضحية ، فان محمد ومريم كانا الضحية .. وخروجهما المبكر الى الكروم ، كان بمثابة الخروج الى معركة يومية ضد الاحتلال والقهر، معركة أصبحا قربانها المقدس ... حتى جمع الزيتون يتحول في فلسطين إلى فعل مقدس يتجلى في تضحية لا مثيل لها .. عجوزان، يقتلان غدرا بالرصاص، في الصباح الباكر، وهما يجمعان الزيتون، وحيدين في الكروم، والتهمة واحدة، حب الوطن.. أتحدى التاريخ بأن يأتي بمأساة كتلك في اي مكان بالعالم ..ماعدا فلسطين .. مثل هذه المآسي لايعرفها سوى الفلسطينيين .. صعد محمد السلم المستند الى جذع الشجرة وبدأ يحرك بعصاة طويلة أغصان الزيتون فتتساقط الحبات على الارض وتقوم مريم بجمعها في سلال قشية ملونة .لا ادري ماذا خطر ببال محمد في تلك اللحظات ؟ هل تراءى له شئ ما عندما شقت رصاصات اليهودي القاتل فضاء الكون والكروم ، واخترقت جسده العجوز؟ هوى محمد من الأعلى، وهوت معه الثمار المباركة، تزين دربه الاخير. كان يتلوى في فضاء الكروم وقد ارتسم على وجهه تعبير دهشة وألم ، ألم لم تثره الرصاصات الغادرة ولكن ألم من نوع اخر، ألم الرحيل قبل فوات الاوان وتأدية الواجب تجاه الارض والاشجار، حتى وهو في الخامسة والستين،وربما خيل لمريم عندئذ أن محمد لم يكن يهوي، وإنما كان يحلق ويطير من جديد ولم تلبث ان حلقت هي الاخرى ... وحدها اشجار الزيتون تعرف .... حدثت المأساة صباحاً، وفي المساء عرضت شاشات التلفزيون صورة العجوزين الشهيدين محمد علي الخطيب وزوجته مريم حسين ، ومشاهد تشييع جنازتهما التي خرج فيها كل أبنائهما من الشعب العربي الفلسطيبني، ولقد أكد لي وجه محمد، قبل ان ينهال التراب عليه، أن الشئ الوحيد الذي ربما تراءى له لحظة تحليقه ، لم يكن سوى كروم الزيتون ...وهي تثمر من جديد . إن عبور محمد ومريم على درب الآمهما لايمكن ان ينقضي عبثا .. لقد اسرا بحقيقة نزهو بها نحن الفلسطينيين .. إننا نتشبث بالحياة والحب والحلم ..حتى عندما يكون الموت اقرب مافي الوجود إلينا..