BACK       عودة


عشتار
باسل الخطيب

انتزعه الإحتقان من حلمه الرهيب ودفعه عارياً إلى الحمام المجاور لغرفة النوم، وهناك وقف مستنداً بيده إلى الحائط الأملس، يراقب بعينين مطفأتين انحسار ينبوعه المتقطع، وينكمش إثر الحرقة الثاقبة، عندما انقضت عليه فجأة دون توقع الفكرة المعذبة إياها، لقد أدرك أنه لم يكن يعرف حتى الآن ما الذي يريده في هذه الحياة . شعر بانقباض وغادر الحمام متعثراً يشعر بالدوار، فالحقيقة التي حاول تجنبها طوال حياته فاجأته في أشد اللحظات عزلة. اجتاز الممرعلى عجل عائداً إلى غرفة النوم، وقبل أن يلج إليها توقف لبرهة عند عتبة الباب فتدفق عليه من الأعلى غبار ضياء أخضر خافت، لم يستطع أن يخلص نفسه من إجهاد القنوط الذي ظل يلاحقه، فتأمل السرير الحديدي الواسع والأطراف المرئية من جسد زوجته النائمة، وأراد أن يقنع نفسه بأن النوم أكبر خدعة عرفها الإنسان في تاريخه وربما بهذا أوجد لنفسه مسوغاً للحقيقة التي فاجأته في حلمه وعاودته منذ لحظات، فالظروف الخارجية وحدها سبب كل الاحباطات . وأما زوجته التي كانت معلقة بين الحلم واليقظة فقد أخبرته في وقت متأخر من الصباح بأنها أحست به يتقلب الليل كله في السرير، ورأته يقف عارياً عند باب الغرفة يضيئه مصباح الممر، لكنها لم تخبره بأنه كان يبدو آنذاك، كما خيل إليها، طفلاً تائهاً يبكي عند مدخل مغارة خرافية. "حروبنا كلها وهمية " قال لنفسه هامساً وهو يرتشف قهوة الصباح . "افترسني الصمت طوال النها، ورافقه إحساس مريع بالخواء والعزلة . لم أكتب كلمة واحدة، بقيت جالساً ساعات طويلة أمام الورقة البيضاء، تنتظر مني أن أعترف لها بحبي، كأنما فقدت الإلهام لذلك، وها أنا أترقب عودته، ربما من خلال حلم ما .."
كانت أحلامه الليلة تترك آثارها على مزاجه لليوم التالي، وأحياناً لفترة طويلة ..

ذات ليلة رأى نفسه عارياً يمضي في مقبرة تغطيها الثلوج، ويضع باقة زهور على قبر إنسان عزيز لا يعرفه، بعد ذلك رأى نفسه يعدو في سرداب مبلل يطارد الجرذان، ثم تحولت الجرذان إلى بشر، لاحقوه حتى خرج إلى معبد قديم واغتصب على مذبحة، بوحشية فظيعة، فتاة سمراء صغيرة وسط هتافات المصلين وصياحهم، ثم ساد السكون . أمسك حجراً ورمى به أحد الجرذان، فتقوضت أعمدة المعبد وهوى . وجد نفسه في المقبرة ثانية بجانب القبر ذاته، مد يده المدماة، وأزاح الثلج عن الشاهد الرخامي، وقرأ اسمه منحوتاً عليه . أمضى ساعات ما قبل الغداء ينتقل بين غرف الشقة الواسعة، تصفح بعضاً من كتبه، وانتابته الدهشة إذ كيف كان قادراً على كتابة مثل هذه الترهات، بل ونشرها ليقرأها الآخرون . تأمل صوراً قديمة لرحلاته وحفلاته، وحاول أن يجد عزاء لعزلته وعجزه ، وما لبث أن سمع صوت زوجته تدخل الشقة وتدعوه للطعام .
لم تصدق زوجته أنه لم يقدر على كتابة حرف واحد بسبب حلم رهيب تراءى له في الليل . "كيف لا ؟ وأنا أمضي نصف حياتي نائماً وعندما أستيقظ في النصف الآخر أنحشر وراء ذلك المكتب اللعين وأكتب قصصاً ! " .

ليلة أمس حلم بأنه يخوض حرباً. كان كل شيء يبدو حقيقياً، حتى في اللحظات التي يعرف أن الأمر كله مجرد حلم . ساحة المعركة كانت حقيقية، والبنادق والرصاص وجثث القتلى، وحتى الدم الذي سال منه كان حقيقياً، وكان ثمة إحساس بأنه يحارب عدواً مرعبا إلى أن اتضح فجأة من خلال سكون أطبق على المكان، ورافقه ظهور باعة متجولين ومجموعات السياح الغرباء، أنه كان مجرد طعم صغير في مشروع جهنمي وأن الحرب كانت وهمية . لقد تعذب وسال دمه في حرب وهميه امتدت في كابوس لا نهاية له ، وفي الصباح أحس بعدم جدوى كتابة كلمة واحدة.

"نحن جميعاً نخوض حروباً وهمية مسبقة الصنع . حروبنا وهمية لأنها لم تبدأ من لحظة النصر الذي كان يجب أن نحققه. الحرب الحقيقية لم تبدأ بعد، وهي الحرب التي يجب أن نشنها ضد الشرور الكامنة في أرواحنا، وأكثر ما تتمثل بجبننا، وخوفنا وتقاعسنا عن أداء واجباتنا تجاه أنفسنا والناس اللذين نحبهم . نحن نكاد نعرف كل شئ إلا الحياة نفسها . بعبارة أخرى نحن نعرف كل شئ ماعدا ذلك الذي نريده حقا في هذه الحياة . لن أعود إلى عقلانيتي المقيتة وسأبقى أسترشد بنبض قلبي لأنه وحده بوصلتي ... في هذه اللحظات يخيل إلي أنني أتحول إلى طفل، وعلى الرغم من أنني لست راغبا في أن أعود طفلاً من جديد، إلا أن الإحساس بالطفولة يريحني إلى حد لا يصدق ..إنه يريحني لسبب واحد فقط لأنني مادمت طفلا فإن الأحلام سوف تبقى هاجسي الأساسي وسيغمرني عندئذ ذلك اليقين الطفولي النادر بأن المستقبل الرحب آت دون شك، وإنني لم أفقد شيئا بعد، وأن بوسعي أن أفعل ما أريد .."

استلقى إلى جانب زوجته، وفكر للحظة بأن السرير ربما كان من أغرب الأمكنة في العالم ، لأن الإنسان عندما ينام عليه فإنه يموت، وعندما يموت تتراءى له الأحلام، وعندما تتراءى له الأحلام، يشتاق إلى الحياة أكثر .

دعته زوجته إليها بهمسات محترقة ،فأحبها، ثم غفا على صدرها، وفي بداية الليل حلم بأنه يقف أمام ممر مألوف له دون أن يتذكر أين رآه من قبل . بقيت صورة الممر عالقة في رأسه إلى أن انتزعها منه شعور الإحتقان الليلي المعهود، فاعتدل وجلس على حافة السرير وتنهد بعمق ..
" إنه الاحتقان ثانية، أليس كذلك ؟ " أتاه سؤال زوجته واهناً ومتقطعا، فهز رأسه بالإيجاب. لاحقه صوت زوجته في الظلام :" يجب أن ترى أخصائيا، من غير المعقول أن تبقى على هذه الحال"..

ما لبث أن تنفس الصعداء في الحمام المعتم وشعر بالفرح عندما أغمض عينيه لبرهة واستعاد صورة الممر الذي تراءى له وخيل إليه أن هذا الممر ليس سوى الطريق الذي كان يبحث عنه

طوال حياته، وأن شيئا فقده سوف يسترده قريباً، وعندما استدار وأراد أن يغادر الحمام، تجمد مكانه، وأحس بقلبه يهوي ..
كان الممر المؤدي إلى غرفة النوم، الممر نفسه الذي تراءى له في الحلم منذ قليل، لكنه كان مضاءاً بمصباح أخضر خافت، وبدا أكثر طولاً وامتداداً في العمق . بدأ يختاز الممر، وكان كلما سار خطوة إلى الأمام شعر أن الطريق يزداد عمقاً، والجدران تعلو أكثر فأكثر، ثم انتبه إلى أن أبعاد المكان لا تزال على حالها، وأن جسده هو الذي كان يتقلص تدريجيا إلى أن أصبح طفلاً .
تابع سيره في الممر، التفت جانباً فرأى طفلة سمراء صغيرة تسير بقربه وتمسك يده بقوة وتبتسم.
" اسمي عشتار ".. همست بخجل .
أمضيا الليل يجتازان الممر الأخضر الذي بدا بلا نهاية، وكان الفجر ذهبياً عندما وصلا إلى غرفة النوم .
لكن غرفة النوم لم تكن موجودة مكانها، وجدا نفسيهما على مشارف قرية بيضاء صغيرة تحيط بها المروج والروابي الخضراء وكانت رائحة النعناع تطفو بسحرية في الفضاء، وكان الرذاذ يتساقط .