BACK       عودة

هاني الراهب ..

يقترب الموت أحياناً، يبتعد أحياناً أخرى ..
هذه المرة اقترب كثيراً..
قبل شهر من رحيله جاءنا هاني في إحدى زياراته المسائية غير المتوقعة يزف إلينا النبأ : " اليوم أخبرني الأطباء بأنني شفيت تماماً..". تحدث طويلاً في تلك الأمسية ، بدا واثقاً تماماً من الزمن والقدر، تخلل حديثه سعال غامض واهن، وعندما نهض ليغادر ترنح وكاد يتعثر..
لم أجرؤ لحظتها على تكذيب الأطباء .. رغبت أن أصدق هاني..
الحقيقة التي كان يعرفها ليست تلك التي أسر بها ، كان يريد إبعاد الحزن والألم عن محبيه ، وحتى عن أولئك الذين أساؤوا إليه ودفعوه في أيامه الأخيرة إلى العزلة والقنوط..
كثرت لقاءاتنا بعد عودته من الكويت ، كان يأتينا باستمرار فنحتفي به ديانا وأنا، نتحدث طويلاً ، يثير إعجابنا تارة،واستغرابنا تارة أخرى. كنا نبحث دائماً عن مسوغ لمواقفه التي بدت مهادنة، مواقف تحتاج إلى حسم لم يكن يقدم عليه أبداً، لكن الإجابة كانت قريبة منا ولم نلحظها ..
هاني كان يموت ببطء وربما أدرك أن الحياة لم تعد تستحق ردود فعل عنيفة ، فآثر الصمت ووارى حزنه في روحه .. فاستعصى مرضه أكثر فأكثر ..
الزيارة الأخيرة كانت قبل أسبوع واحد من رحيله، تحدث عن مشروع عمله الروائي. رواية عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم، أعظم شخصية في تاريخ الإنسانية.. نبرة صوته كانت حالمة يشوبها الانكسار.. سعاله أصبح أكثر غموضاً ووهناً.. وعندما نهض ليغادر ترنح وتعثر وكاد يهوي لكن قلوبنا هوت في تلك اللحظة، تماسك والتفت إلينا ، كان غبار الموت منثوراً على وجهه..
في مشقيتا سجى جسده على عربة محاطة بالملاءات البيضاء في زاوية بيت مهجور مطل على البحيرة.. غُسل الجسد في العراء ، ترددت كثيراً قبل أن أقترب لألقي نظرة الوداع الأخيرة ، خشيت أن توشم ذاكرتي بملامح الانكسار المحزن للوجه الميت ..
لكن هاني فاجأني في موته .. لقد هب الهواء فجأة، وتطايرت الملاءات البيضاء، وطالعني من خلالها وجهه للمرة الأخيرة. كان هادئاً، مطمئناً، ولم يكن هناك أثر للموت والإنكسار.. كان هناك طيف ابتسامة، راحة أبدية، ملمح انتصار..
هب الهواء مجدداً، تطايرت الملاءات .. وحجب اللون الأبيض "هاني " إلى الأبد..

باسل الخطيب ( مجلة فنون 24-2- 2000 )