BACK       عودة


مقاربة نقدية حول مسلسل (هوى بحري )

كسر التقاليد الدرامية في لوحات حب مجنونة وساخرة

انتهى عرض المسلسل السوري(هوى بحري ) في التلفزيون السوري ، تأليف قمر الزمان علوش و إخراج باسل الخطيب. المسلسل أثار جدلا ً واسعاً لدى مختلف الأوساط مما دعانا لهذه المقاربة النقدية له . (هوى بحري ) من الأعمال ذات البذخ الإنتاجي ، حيث حشد له جيش من الفنانين والكومبارس ، كما بنيت له مدينة كاملة قرب شاطئ البحر ، إذ تم توفير كل ما يلزم لإنتاج عمل ناجح بكل المقاييس، فهل حقق المسلسل ما أريد له ؟ إخراجيا سعى باسل الخطيب أن يقدم دراما مختلفة نوعياً عما نراه عادةً لذلك كنا أمام لوحة غنية بالحركة ضاجة بالحياة . كل مشهد في العمل يتداخل فيه الواقع بالخيال من خلال لمسات إخراجية وكادر مصنوع بعيني فنان يكتب شعراً بواسطة الكاميرا . تختلط هنا السخرية بالكوميديا – المأساة بالفرح عبر مشهديه مدهشة لتقدم لنا عملاً غرائبياً ممتعاً تضافرت الإضاءة والألوان والموسيقى وحركة الكاميرا خالقة بذلك صورة شفافة شاعرية مثيرة للأحاسيس . لأول مرة يقدم لنا الحب بأسلوب جديد لم نره من قبل ، فلا كافيتريات ولا شراب على الطاولة ولا كلام غزل مصطنع ، إنما عشق غريب مولد للأفعال والمغامرات والجنون عبر مواقف ساخرة، موظفة درامياً بشكل جيد. ( هوى بحري ) محاولة جادة لنقل الأجواء الروائية إلى الشاشة الصغيرة فكل مشهد يوحي لنا بأننا أمام فصل روائي محبوك بحرفية عالية مكتوب بالصور وليس بالكلمات. المخرج كان موفقاً إلى حد بعيد بذلك. الأهم الذي قدمه باسل الخطيب إخراجيا محاولة كسر عادات التلقي الدرامية لدى المشاهد رغم ما يواجه هذه المحاولة من عقبات ، فالمشاهد اعتاد القصص التقليدية على الشاشة والتي تشبه كثيراً قصص الإذاعة وحواراتها ، لذلك يحاول الخطيب في عمله تطوير عين المشاهد وتعويدها على جماليات الصورة ولغتها . الكاتب قمر الزمان علوش صاحب الزوايا الصحفية الساخرة كتب سيناريو مليئاً بالقصص والأفكار والمقولات، في جو ساحر يحاكي الأجواء الماركيزية وأدب أمريكا اللاتينية ، حيث نرى القصة والشخصيات المتداخلة ذات السلوكيات الساخرة من منطق الحياة ورثابة العقلانية . مشكلة السيناريوتكمن أحياناً في الدروس الوعظية عن الحياة من خلال المونولوجات الطويلة المليئة بالفلسفة والحكمة وهذا الأمر أدى إلى تشابه لغة الشخصيات التي من المفترض أن كل شخصية لها لغتها المتناسبة مع درجة وعيها وخصوصياتها . الأمر الآخر هو محاولة الكاتب التعرض لمختلف جوانب لحياة من حب وفن ومسرح وسياسة وحياة البحارة والأحلام ..الخ مما تسبب بعدم الانسجام بين الخطوط الدرامية في بعض المواقع . لغة الحوار رشيقة شاعرية فيها جدة وابتكار إلا أنها وقعت في بعض الحشو لكن هذا لا ينقص من قيمة المسلسل الذي خلق عوالم وشخصيات أيقظت فينا حب الحياة ومتعة العيش والمغامرة .

بعض الممثلين تألقوا وأجادوا وتركوا بصمة واضحة ، منهم غسان مسعود " الدكتور زكريا" وبسام لطفي " ابيض " و"هتلر آغا "تيسير إدريس . وللموسيقى في (هوى بحري ) دور مؤثر يزيد من رومانسية العمل فجاءت معبرة عن دواخل الشخصيات ومتناغمة مع بقية العناصر.

أحمد الخليل ( جريدة السياسة 25- 10 - 1998 )