BACK       عودة


يوم في زيارة ( الطويبي )
لقاء تلفزيوني وسينمائي وتجربة جديدة للقطاع الخاص

أسئلة عديدة كانت تخطر في الذهن والسيارة تقلنا إلى قرية"ولغا " غرب مدينة السويداء حيث يجري تصوير مسلسل ( الطويبي ) وفيلم ( الرسالة الأخيرة ) ولعل ابرز هذه الأسئلة هو الذي يتعلق بمعنى العنوان ودلالاته، ومن ثم للتوقف على هذا الحدث الغني الهام الذي تبادر إليه جهة إنتاجية خاصة في سوريا للإقدام على مغامرة إنتاج فيلم سينمائي بعد أن نأى القطاع الخاص بشكل شبه نهائي عن الإنتاج السينمائي وهو الذي قدم إلى السينما السورية مايزيد عن ضعفي عدد أفلامها . لم يكن من الصعب لدى وصولنا إلى "ولغا" التعرف إلى مكان التصوير لأن حدثاً كهذا يعرفه أهل القرية جميعهم، وهكذا أشار إلينا أحد سكانها إلى بيت كبير قديم يجري التصوير فيه ، تقف أمامه مجموعة من السيارات، بيت ضخم يشبه بتصميمه القصور من حيث الحجم والشكل ، وبني من الحجارة البازلتية السوداء كما هي حال معظم بيوت المنطقة ،ولدى دخولنا المنزل صادفنا مجموعة من الكومبارس يرتاحون قليلاً ريثما يتابعون تصوير المشاهد الأخرى . المخرج باسل الخطيب كان غائباً لدقائق يقوم باتصال هاتفي من مكان قرب المنزل فقادنا احد عناصر العمل كي يعرفنا على المكان ،ولنتفاجأ بأن كل غرفة في المنزل قد أخذت اسماً خاصاً ، فهنا غرفة الشطرنج ، حيث تنتشر أحجار الشطرنج الضخمة في مكان أشبه بالإسطبل ،وتلك غرفة الصالون وتلك غرفة النوم .. نحن في بيت طاهر الطويبي ، حيث تجري مجموعة العمل تصوير مشاهدها في هذا المكان والتي تبلغ حوالي ثلث مشاهد المسلسل والفيلم تقريباً. كان المكان يبدو في لحظات الاستراحة وكأنه مأهول منذ زمن، فالإذاعة السورية تجري بعض اللقاءات في قاعة الشطرنج بينما يرتاح بعض العاملين في أمكنة متفرقة من المنزل الضخم وتبدو الحياة و قد عادت إليه ، خاصة بعد أن علمنا ، ولاحظنا ذلك بأنفسنا أن إجراءات عديدة تطلبها ترميم المكان كي يصبح صالحاً للتصوير، وعندما عاد المخرج الخطيب شرح لنا عناصر المكان بدقة ، لنلتقي فيما بعد بمجموعة من المشاركين في العمل والذين تصادف وجود مشاهد خاصة بهم في ذلك اليوم ، وكثيراً ما اختلط الحديث معهم في العمل مع قضايا فنية وتلفزيونية وصحفية ، وهكذا تحولت لقاءاتنا إلى منابر طرحت فيها قضايا خاصة بالعمل أو بأعمال فنية سابقة . الدور الذي يؤديه سامرالمصري هو"صادق " احد رجال طاهر ولكن حبه ل"شهلا" التي تزوجها الطويبي فيما بعد يقوده إلى الموت على يديه ، حيث يقول سامر إنه لأول مرة يتعامل مع شخصية تحب العنف وتصل إلى طريق مسدود مما فرض عليه أداء يمتاز بالحس العالي ، الذي أضاف شيئاً هاماً له كممثل على حد تعبيره، ولما كان الطويبي هو مسلسل وفيلم في آن واحد ، فقد أشار المصري أن الفرق بين السينما والتلفزيون هو الزمن حيث قال: إن التكثيف الموجود في المسرح هو نفسه الموجود في السينما ،لان مساحة الدور في الفيلم هي أضيق من المسلسل ، وهكذا يحتاج إلى تكثيف الشخصية بشكل اكبر مما يضطرني إلى أضغط الحالة النفسية"،ويقترب هذا القول من رأي الفنان بسام لطفي الذي يؤدي دور المختار في الفيلم والمسلسل ،وهو كما نعلم من نجوم السينما السورية :


إن الفيلم يقدم أفضل شئ موجود في المسلسل ، هذا إلى جانب تنشيط الإنتاج السينمائي " وأوضح أن المساحة هي أوسع في التلفزيون ، بينما تعتمد السينما على اللقطات السريعة المكثفة ،ويتحدث عن دور المختار باعتباره ليس غريباً عنه وعن نفسيته ومع الأدوار التي يحبها ، خاصة ً أن هذا المختار مثال للمعاناة ولحب الناس وخدمتهم ، إضافة إلى كونه دوراً مركباً وصعباً عندما يصاب بالشلل بعد أن يهينه الأغا ويجعله يحرث الأرض كالدابة . نتابع تصوير أحد مشاهد العمل ، وهو إلقاء القبض على عبد العزيز بيك من قبل الطويبي ، حيث تطلب هذا المشهد من مدير التصوير هشام المالح ان يلف كاميرته ووجهه بقطعتي قماش تجنباً للغبار المتناثر،لأن التصوير يجري في مكان شبيه بالكهف المبني تحت الأرض ، فيما يسأل احد مساعدي المخرج أن يبدأ بتقييد الفنان أحمد ديركي ( عبد العزيز ) فيخبره المخرج أن يتريث في ذلك حتى اقتراب لحظة التصوير . فيما علق احدهم مازحاً يبدو أن ثأراً لهذا المساعد مع الفنان ديركي يدفعه إلى الإسراع بربطه تحت الأرض فيضحك الموجودون على هذه الطرفة . يأتي الفنان أيمن زيدان إلى الموقع باعتباره احد المشاركين في المشهد ، ويعطي باسل الخطيب ملاحظاته إلى مجموعة العمل من ممثلين ومدير تصوير وكومبارس وإضاءة ويتخذ لنفسه زاوية"معتمة" في ذلك الكهف ليتابع على المونتيور عملية التصوير و اللقطات التي يريد، مع تدقيقه على التفاصيل كمرور ذبابة أو حشرة صغيرة لا مكان لهما في كادره أو الطلب من الفنان زيدان الإبطاء في خطواته لحظة دخوله إلى المغارة فيما يطلب من ديركي نظرات محددة وهكذا تدور الكاميرا لتصوير هذا المشهد مرات عديدة وبزوايا مختلفة تتيح للمخرج فيما بعد القيام بالإخراج الثاني لمسلسله وفيلمه أثناء عملية المونتاج . وكان من الطبيعي أن ينتشي المشاركون في هذا المشهد برطوبة المكان مقارنةً مع حرارة الشمس في الخارج ، خاصة أن الفنان زيدان على سبيل المثال يلبس معطفاً من الجلد لأن الزمن الافتراضي للأحداث هو فصل الشتاء فما كان منه إلاّ أن خلع معطفه في قاعة الشطرنج حيث جلسنا . يوضح الفنان زيدان لنا دور طاهر الطويبي الذي يؤديه حيث يأخذ المسلسل اسمه تكنياً بهذه الشخصية وباسم المكان الذي تجري فيه الأحداث وهي قرية تدعى " الطويبي " ويتحدث زيدان عن هذه الشخصية التي تتعرض لاضطهاد وظلم شديدين يقودانها إلى الرحيل والعمل مع مجموعة من علماء آثار أجانب واستطاع أن يجمع ثروة صغيرة قبل أن يقرر العودة إلى قريته ، حيث تبدأ أحداث العمل منذ قرار العودة حاملاً معه حلماً كبيراً بتحقيق العدالة ..ويأخذ هذا الحلم أشكالاً مختلفة فيما بعد ليتحول إلى حلم ذاتي وشخصي ، ولعل هذا التحول هو الذي يقود البطل إلى المصير التراجيدي الطبيعي مع نهاية الأحداث . المفاجأة السعيدةكانت وجود الفنانة نورمان اسعد في مكان التصوير لأول مرة بعد الحادث الذي تعرضت له، فما كان منا إلا أن هنأناها بالسلامة حيث لاتزال آثار الحادث واضحة عليها ، إضافة إلى أنها في فترة نقاهة ، وقد أتت إلى "ولغا" من أجل العودة التدريجية إلى العمل في فترة لن تتجاوز الأسبوعين ، واعتبرت نورمان أن دورها في المسلسل والفيلم هي نقلة هامة في حياتها الفنية لأنها تؤدي هذا النوع من الشخصيات لأول مرة ،


وتعتبر أن الدراما لم تناقش سابقاً بعمق هذه الشخصية ، وهي شخصية امرأة قوية جداً من عائلة ارستقراطية هاجسها الأساسي السلطة، واعتبرته من الأدوار الجديدة والجريئة بالنسبة لها، وأكدت أن الحادث الذي تعرضت له زادها إصراراً على القيام بالدور بشكل أفضل مما سبق . نعود إلى قاعة الشطرنج مرة أخرى باعتبارها المكان الأهدأ لنتحاور مع المخرج باسل الخطيب الذي تحدث عن الرؤية الجديدة لمفهوم العدالة والتي لها تأويلات مختلفة وعبر عن سعادته بالنتائج التي يتوصل إليها خاصة أن العمل الفني يتوجه إلى مشاعر الناس قبل عقولهم، على حد تعبيره ، ومن الضروري الإشارة إلى أن الطويبي هو المسلسل الثالث له بعد ( هوى بحري) و(أيام الغضب )، والفيلم السينمائي الروائي الطويل الأول بعد عدة أفلام قصيرة . وتختار الفنانة أمل عرفة مكاناً آخر للحوار في صالون منزل الطويبي ، لتحدثنا عن دورها "هالة" الفتاة الريفية البسيطة ، يتيمة الأبوين ، تتزوج من الطويبي بطريقة تقليدية، إلا أنها تنفر منه عندما يقتل على مرأى منها أربعة لصوص جاءوا لقتله ،وتقول إن الشئ المميز في هذه الشخصية هو حدسها القوي إلى الحد الذي تستطيع من خلاله أن تعرف ماذا سيحصل ،ورغم أنها تطلب من الطويبي الزواج من أخرى، إلا أنها لحظة حدوث ذلك يصيبها مايصيب أي امرأة في حالة مماثلة. نجلس مع الفنان أيمن رضا ، فوق احد أسطح المنزل ليحدثنا عن الشخصية التي يؤديها من خلال إقحام نفسها على الطويبي ، وتضع خدماتها أمامه لتصبح بمثابة الذراع اليمنى له ، ويعتبر رضا أن هذه الشخصية بعيدة عن نمط الشخصيات الكوميدية التي أدّاها وذلك بهدف تكريس أن الممثل يستطيع أداء أي نوع:كوميديا أو تراجيديا . الشمس تميل إلى الغروب، يتابع باسل الخطيب مشهداً للضابط الفرنسي مع أهل القرية ، فيما تنتظر أمل عرفة وأيمن رضا تصوير بعض مشاهدهما الليلية ونمضي على أمل أن يجد العاملون في هذين العملين( مسلسلا ًوفيلماً)النجاح الذي يأملون ،وان نستمتع بدورنا كمشاهدين لهما .

ثائر سلوم (تشرين الأسبوعي29- 6- 1998 )