BACK       عودة


رحلة معه.. رحلة مع الحياة..

صباح الخميس 16 حزيران.. متخفياً على هيئة قدر غير متوقع .. يتسلل الموت لأول مرة إلى دارنا بهدوء وصمت.. يغافل والدي على أريكته المعتادة ، في ذات موقعه الذي كان يرقب منه حياتنا عبر رحلتنا معه، يغافله الموت في برهة غياب أمي عنه،وقد تبادلا قبلها أعذب مايمكن أن يسر به رفيقا درب طويل، أحدهما للآخر، وكأن رحلتهما سوية قد بدأت للتو.. لكنها عندما تعود إليه.. يكون قد رحل..
اليوم يمتد موحشاً، كئيباً، ماتبقى من رحلة استمرت حتى لحظتها قرابة خمسين سنة.. الحقيقة الوحيدة الماثلة في كل خطوة أنه لن يكون معنا بعد الآن.. سوف يحضر في كل الذكريات، بصوره، بصوته، بعناقه، بحكمته، بثباته، بميراثه.. إنما لن يكون بوسع أحد من أفراد عائلته، مخيمه الصغير،كما كان يحب أن يسميها، أن يلجأ إليه عندما تضيق به الحياة فتخذله بوصلته.. ويضًيع معالم الطريق..
أما هو وقد ضاقت به الحياة سنوات وعقود، وضيقت عليه في أكثر المواقع إيلاماً، فلم تخذله بوصلته ولم يضيع معالم طريقه يوماً.. فكان من موقعه يرى كل الأشياء، وكانت تلتمع في بصيرته رؤى المستقبل.. امتدت الحياة أمامه شائكة مضنية فلم يناورها، بل وقف أمامها وجهاً لوجه، بثبات وحكمة لم نكن قادرين على فهمهما دائماً.. وقف وهو يدرك تماماً، لاموطئ القدمين فحسب، بل وسع الروح التي حباه الله بها... هذه الروح الغالية التي لاثمن لها.. أمانة استودعها الخالق في كل منا.. فأن يفرط ولو بجزء منها فهذا يعني أنه أضاعها مرة واحدة وإلى الأبد..
بهذا حضر والدي إلى الحياة.. وبهذا رحل..
أن يرحل والدي.. أن يرحل سيدي..يعني أن العالم لن يعود مثلما كان..وقد أمضيت أكثر من نصف عمري بيقين أنني مهما بعدت وتغربت فهو يقف معي ، يدعو الله لأجلي.. يقين كان دعامة للوجود.. ملجاً للطمأنينة.. ومبعثاً للقوة والثبات..

قبل رحيله بدقائق قليلة اتصل بي هاتفياً، مبتهجاً، مفعماً بالحماسة ، كان ينتظرمنذ الأمس أن أحضر له نسخة من أعماله الشعرية الجاهزة التي أرسلت له من ( البلاد )، كما كان يسمي فلسطين، أخبرته أنها في الطريق وسأحضرها إليه فور وصولها.. ألح علي أن أتعجل الأمر: " إنني متشوق لرؤيتها "أجبته: حاضر ياأبي .. فوراُ ! عاد يستعجلني : " الله يرضى عليك يابني .. أنا مستنيك " ! بعدها.. يأتي اتصال الغالية أمي ..صوتها مختنق .. الطريق إلى دار الأهل ..الباب المشرع على نحوغير مسبوق.. وجه أمي لأول مرة بتعبير حزن وفقدان لايعوض.. وسيدي مسجى بلا حراك...أهرع إليه جزعاً.. أنحني قربه .. أتلمس وجهه وقد امتدت على عالمه ملامح الطمأنينة والرضا والسلام الأبدي.. ملامح رجل ربح معركته باقتدار مع كل من الحياة والموت..
أن يرحل والدي .. أن يرحل سيدي ..يعني أن بقية الرحلة بالنسبة لنا قد اتخذت مسارا آخر.. مساراً يعني أن الحياة لن تعدنا بعد اليوم بأكثر مما كانت قد منحتنا وإياه في حضوره.. وقد منحنا من روحه الكثير..بل منحنا روحه كلها..
" عندما تصل دوواين الشعر أريدك أن تجلس أمامي وتقرأها لي كلها " قال لي عبر الهاتف في اليوم الذي سبق الرحيل، بنبرتة الأبوية المحبة والمداعبة ، في تلميح منه إلى أنني كنت المقصر الوحيد بين أشقائي في قراءة أشعاره.. ربما كنت كذلك إلى حين ياوالدي.. لكنني أقسم لك أنه ما شغلني يوماً عن أشعارك سوى سعي للولوج إلى أعماق روحك الطاهرة لأتمثل ماكنت تريدني أن أكون عليه.. ولأتعلم منك كيف أخرج في معركتي مع الحياة منتصراً.. مثلك تماماً..
اليوم يرحل سيدي.. مودعاً في الوجدان ذاكرة .. وأية ذاكرة..
اليوم يرحل سيدي.. راضياً مرضياً..
اليوم يرحل سيدي..قوياً راسخاً وقد قال كلمته الأولى والأخيرة بجلاء تام..
اليوم يرحل سيدي.. ويعاودني الآن يقين بأنه لن يدع أحداً منا..وحده..
لاتسألوني بعد اليوم كيف رحل سيدي..
بل اسألوني : كيف حضر ؟

باسل يوسف الخطيب